info@suwar-magazine.org

تعددت التهم ومنهج الطغاة واحد

تعددت التهم ومنهج الطغاة واحد
Whatsapp
Facebook Share

 

                                                                      (1-2)

 

سردية الطغاة المستنسخة

‏عاد التاريخ لتكرار ذات الدورة المأساوية، عندما أطل على مشهد هذه البلاد المتعبة؛ طاغية جديد بسجل إجرامي حافل؛ إنه المستبد في كل حقبة، الذي لا يظهر كفرد معزول، بل كظاهرة سياسية واجتماعية تتغذى كالطفيليات على الفراغ المؤسسي، وعلى غياب العقد الاجتماعي والوطني؛ إنه المستبد الذي لا يكتفي بممارسة سلطته المباشرة، بل يجيد لعبة إعادة إنتاج ذاته في نماذج متعددة : القائد الفاتح، الخليفة الموعود، صمام الأمان، وغير ذلك من الألقاب المصطنعة. والأخطر، يبقى الجوهر واحداً: سلطة تقوم على الإجرام والقمع، وشرعية تختزل في خطاب مكرر زائف، تتلاقفه (الإمعات) خارج اسوار القصر، كما تتلاقف (الكلاب) فتات الطعام من سيدها.

 

 

‏ولأن الطغيان لا يعيش بلا سردية تبريرية، فإن آلة التبرير تصبح جزءاً عضوياً من هيكليته البنيوية، حيث يؤتى بمن يجيد (العواء) لصالح السلطان، ويُدكُّ في أحشائه بعض الفتات، ثم يُبرَد لسانه بمبرد الكذب، وتُمسح تلافيف مخه (بحذاء) الطغاة، فيصبح جاهزاً للتبرير، والتزوير، والتلفيق، والتدوير.

 

 

‏في هذا المشهد العفن المكرر، تتحول التهمة إلى أداة دفاع، وسلاح هجوم بذات الوقت. كل من يعارض الطاغية يصبح في دائرة الاتهام، وكل من يطالب بالإصلاح يغدو مخرباً، وكل من ينادي بالحرية يتهم بتهديد الاستقرار. هذه الاتهامات لا تخرج من العدم والفراغ، بل أنها تاريخياً تستخدم كجدار يحتمي خلفه الطغاة، لتضفي طابعاً قانونياً أو وطنياً على طغيانها، فيما هي في الحقيقة محاولة خسيسة مكررة لإسكات أي بديل سياسي محتمل.

 

 

‏في معادلة الاستبداد، يجد الأحرار أنفسهم دوماً بين مطرقة الاتهام وسندان القمع، حيث  المطرقة  تبرر العنف بحجة حماية الدولة، والسندان يفرض الإقصاء بحجة مقاومة الفوضى. هذه المعادلة التي يتم قولبتها بقالب الشرعية، حين يضع الطاغية نفسه موضع المنقذ، فيما الحقيقة أنه المصدر الوحيد للانهيار.

 

                                                                        (3)

 

تهمة تخريب الوطن

‏أتيت لتبيدني بحجة الحفاظ على وحدة البلاد: إنها العبارة التي رفعتموها أيها " الطغاة " كراية باسم الوحدة، ولم تكن سوى قناع ممزق ظهرت من تحته ملامحكم؛ ولم تكن لديكم قدرة على ارتدائه جيداً لكثرة الدماء على وجوهكم. أنتم يا مَن ماطلتم في إعادة بناء الدولة، وفككتم المؤسسات، واختزلتم المواطنة إلى ولاء أعمي لمرجع واحد جديد؛ أنتم من تستغلون كلمة الوطن كغطاء (لإرهابكم)، وتحولون الخوف إلى آلية لاحتكار الشرعية؛ ثم تبررون تطهير الهوية حفاظاً على الجغرافية.

 

 

‏تهمة "تخريب الوطن" لم تكن سوى عنوانٍ فضفاض لا ينطبق إلا على خطاباتكم المستوردة من مدرسة الطاغية الذي سبقكم. وباسم الحفاظ على الوحدة وبسط الأمن، مارس مجرموكم ومرتزقتكم أبشع أشكال الإبادة بحق أبناء الأرض. بالأمس، جلبتم المسوخ البشرية التي تشبهكم لتنهش أنيابهم الأبرياء، فاستهدفتم "العلويين" في الساحل السوري بهدف إبادتهم وإلغاء وجودهم. واليوم، حشدتم مرتزقتكم وقطيع ذئابكم نحو "الدروز" لتصفيتهم تحت حجة منع التقسيم. ذلك القطيع ، لم يكتف بالقتل والحرق والتصفية والإعدام في الطرقات، بل حرّض من يشبهه على مشاركته الهجوم، وزرع الكراهية وحول المجتمع إلى ساحة اقتتال داخلي تخدمه وتخدم أسياده.

 

 

‏خطاب "الوطن" الذي ترفعونه أيها " الطغاة " ليس سوى ستاراً لجرائمكم؛ والوحدة التي جعلتموها عنواناً لغزواتكم الطائفية الحاقدة الهمجية، لم تجلب سوى التمزيق، حين حولتم التهمة إلى أداة متكررة، تسوقونها ضد كل من يرفض الخضوع لمنطق حقدكم وتخلّفكم. ثم وبكل صفاقة، وبعد أن أجبرتم صاغرين على الانسحاب بسيف الحق، لجأتم لأدواتكم الأكثر خسة، لتكيلوا التهم بالعمالة لمن نادى بالحفاظ على الوطن أولاً؛ ذلك الوطن الذي لا يمكن أن تكونوا غباراً على حذائه يوماً من الأيام.

 

اقرأ أيضاً:

 

                                       معضلة الصحوة

 

                  العتبة ما قبل الأخيرة... حين تتحول الهوية إلى جريمة

 

                                                                       (4)

 

 تمزيق الوطن

‏السويداء التي  تعرضت لحملة إبادة جماعية ممنهجة، وجريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، كانت أول من طالبت بدولة مدنية ديموقراطية تحت علم واحد، وسيادة واحدة، وحملت راية مقارعة الظلم. ليست هذه التهمة سوى سلاح إضافي في ترسانة السلطة التي أوغلت في دماء السوريين، لكنها في الواقع مرآة عجزها وإجرامها. إرهاب منظم يعكس عقيدة أيديولوجية مريضة، كانت ولا تزال السبب الوحيد الذي دفع من تعرضوا لمحاولات الإبادة للبحث عن حماية وجودهم وبقائم وكينونتهم، فارتفعت الأصوات بالانعتاق و الخلاص والابتعاد عن الإجرام و الإرهاب، لكن القمع المنهجي، والإجرام المنظم، وكمية الحقد والطائفية المقيتة التي واجهتهم؛ ذلك جعل خيارهم  هذا واجباً وجودياً، وليس انتقاءً لخيار ضمن عدة خيارات.

 

 

‏السلطة نفسها، التي تدعي الدفاع عن وحدة البلاد، هي ذاتها من تصنع الحجج لتمزيق الجغرافيا. (فإرهابها)  يمنح الدول الطامعة فرصة لتوظيف ذريعة التفتيت، لتغدو وحدة سوريا ستاراً لتدميرها، والحرية المفقودة أداة بيد المتربصين. هذا التناقض العميق يفضح إجرام العصابة، ويعري كذبها، فالوحدة التي اتخذتها شعاراً لإرضاء سعار القتل لديها، لم تصمم لحماية الوطن، بل لتبرير القمع، وتسهيل مشاريع خارجية على حساب أبناء الأرض ومستقبلهم.

 

‏تصرف سلطة احمد الشرع (الجولاني) تجاه الجزيرة السورية والساحل والجبل يتناقض تماماً مع تصريحه بالحرص على كل ذرة تراب سورية.

 

 

                                                                       (5)

 

العمالة

‏بعد لقاء "الإخبارية" الأخير، و البوح بالتنسيق مع المعلم الروسي، و نهاية سردية /مَن يحرر، يقرر/لا بد من مخاطبة أولئك الذين استجلبوا هذه المنظومة و أوكلوا إليها مهمة محددة في سوريا؛ والتي تبدو  وكأنها مهمةٌ لجعل السوريين يترحمون على جرائم منظومة الاستبداد السابقة.

 

‏لا بد من أن يعلم المشغّل بأن سوريا لا تعيش مبعثرة؛ و أن هذه السلطة تنوي إبادة مكونات في سوريا، مكونات هاجمتها في منازلها، وقتلت أهلها، وخطفت عائلاتها، وأعدمت ميدانياً، ورمى مرتزقتها مواطنين سوريين مدنيين من شرفة منزلهم، ثم حرّضت الذئاب ليشاركوا في جرائمها، ثم حاصرت ومنعت عن محافظة كاملة كل سبل الحياة، ثم عادت لتتهم سكانها بالعمالة، عندما طالبوا بحماية من (سعار إجرامها وإرهابها) فأي وقاحة هذه، عندما يُنسَب الأجرام لغير مرتكبه ، ويُرمى اللوم على الضحية، إذا ما طلب الاستغاثة!

 

‏هذه السلطة تتهم الدروز وغيرهم من المكونات التي رفضت إجرامها بالعمالة، وتنسى انها تهرول على عجل للقاء هنا، أو اجتماع هناك و مع محتل الأرض.. ليس لخدمة البلاد، بل لتقديم المزيد من التنازلات، مقابل بقائها على كرسي السلطة؛ فهل أهل هذه المحافظة هم العملاء عندما يطلبون حماية من (إرهاب سلطة تمرّست بالجريمة)، أم هذه السلطة التي تطيع من يرمي لها عظاماً لتنفيذ الأجندات؟

 

 

‏خطابي هذا لا  أوجهه لهذه السلطة (الإرهابية الحاقدة المجرمة)، ولا إلى أبواقها؛ و إنما لأصحاب الضمائر و لمشغلي هذه السلطة؛ فسوريا بمكوناتها وأبناء أرضها لا يمكن أن يعيشوا مبعثرين في ظل سلطة كهذه، ولا يمكن لاستقرار أن يتحقق طالما أن الاستبداد و الإجرام يُعاد تدويره في هذه الجغرافيا المتعبة.

 

‏بعثرة سوريا بيد سلطة (إرهابية مجرمة امتهنت القتل) لن تجلب السلام أو الازدهار للمنطقة، فسوريا ليست مجرد جغرافيا، بل نقطة اتصال استراتيجية متصلة بمصائر الشعوب المجاورة. لذلك، فإن بقاء هذه السلطة (المجرمة) بالحكم، ليس إلا سبباً لمزيد من التوتر والفوضى، وعبث سيفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد.

 

 

                                                                       (6)

 

 آن لسوريا أن تنفض غبار المارقين عنها

لم يكن أي خطاب سابق بمثابة استجداء أو استعطاف لسلطة (الإرهاب)، و لمن أذعن لها، بقدر ما كان إحساساً ضميرياً بالمسؤولية تجاه جذور الانتماء، والمبادئ التي لأجلها هتفنا ضد الطاغية الأول، وسنبقى نحملها في مواجهة القابع بالسلطة اليوم، وتجاه كل مستبد جديد.

 

 

لقد آن لسوريا أن تنفض غبار الطغيان عنها، وأن يستعيد أحرارها وأبناء أرضها الأصلاء سيادتها وكرامتها بعد سنوات من الفوضى والقهر. آن لسوريا أن تعود أرض الحضارة، لا أن تكون مرتعاً (للإرهابيين) ومن والاهم. إنه لمن المؤسف حقاً، أن يتم تحييد الأكفّاء والوطنيين، ليستدعى اليوم رأس ميليشيا إلى الأمم المتحدة، وأن يُشحنَ على عجل، كما كان يُشحن سلفه لتوقيع اتفاقات الارتهان و الاذعان. فلو كان المجتمع الدولي جاداً في إرادته لإنهاء مأساة السوريين، لكان بحق فعّل مسار قرارات مجلس الأمن  ذات الصلة في الانتقال السياسي، وحيّد هذه الطغمة التي تبعثر الجغرافيا و تشوّه التاريخ و تقتل البشر والحجر.

 

 

إن سوريا اليوم بحاجة إلى إرادة دولية صادقة، لتحقيق انتقال سياسي من خلال هيئة سياسية مدنية تمثل كافة المكونات، و تشكيل معالم نظام حكم جديد يكون فيه العسكر حامياً للمواطنين، لا سيفاً بيد الجلاد مسلطاً على رقابهم.  إنها بحاجة لاتفاقات سلام حقيقية تضمن الأمن للسوريين وللجوار، على قاعدة السيادة الكاملة، لا السيادة المجتزأة. إن استعادة الدولة السورية ليست مشروعاً شكلياً، بل ضرورة وجودية لإنهاء الفوضى، واستعادة القانون، وإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته.

 

 

آن الأوان لرفع الغبار عن سوريا، وإطلاق عملية سياسية جامعة لا يُسمح فيها للمجرمين والإرهابيين والمتسلقين بتقويض الوحدة. ففي هذا السياق، تصبح الشرعية الوطنية والكرامة الشعبية عناصر متشابكة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، وبدونها لن يكون هناك سلام حقيقي، ولا استقرار دائم.

 

 

إن مشكلة المستبدين الأساسية هي أنهم أغبياء؛ لا يقرأون التاريخ؛ وإن قلّبوا صفحاته يوماً، ففقط لأجل استقاء تجارب الطغاة القدماء، أو للتغنّي بماضيهم؛ فكيف يريد هؤلاء الطغاة الجدد لأحد أن يحترمهم، وهم يكررون تماماً سردية مستنسخة استهلكها مَن سبقهم؟ على الأقل، لو أنهم امتلكوا أدواتاً جديدة، لاحترم عاقل ذكاءهم، وأقرّ بشرف النزال معهم؛ لكنهم (سفاحون)، تعتريهم الحماقة، ويكررون ذات منهج الطاغية القديم، والأقدم منه، ولا يدركون أن الحق بذاته منتصر، وأن من يشغّلهم اليوم، سيرميهم بعد انتهاء مهمتهم غداً؛ فهم وأبواقهم إلى مزابل التاريخ.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard