ما تخفيه السلطة في دمشق تفضحه ممارساتها

ليس كل ما يفسد يظهر للعيان منذ اللحظة الأولى. فبعض الأشياء تكشفها الرائحة العفنة قبل أن تدركها العين البصيرة. وكم من بيوت تبدو سليمة من الخارج: جدرانها شامخة، وأبوابها مشرعة، ونوافذها تبرق؛ لكن من يدخلها يشعر بثقل لا تخطئه الحواس، شيء غريب في الهواء، يجعل التنفس عسيراً، ويُنبئ بفساد دفين. وشيئاً فشيئاً، يبدأ هذا السبب الخفي بالظهور.
لم يعد السؤال اليوم يدور حول ما روّجت له هذه السلطة وطبّلت وزمرت، بل حول ما انكشف بوضوح. لم يعد النقاش يدور حول الخطاب المنمّق، بل حول الجوهر الفاسد الذي أنتج ذلك الخطاب. فالمشكلة لم تكن مجرد خطأ عابر هنا، أو تجاوز فردي هناك، ولا حادثة معزولة بحق سوريا والسوريين يمكن ردّها إلى سوء تقدير أو ارتباك أو نقص خبرة. لا، كانت المشكلة أعمق بكثير. حين تتكرر الظاهرة، تتحول من مجرد حادثة إلى نمط ثابت. وحين يتكرر النمط، يتحول إلى بنية راسخة. وحين تظهر هذه البنية، يبدأ المعدن الحقيقي، بكل ما فيه من زيف، بتقديم حقيقته الصارخة.
ولهذا، لم يعد ممكناً النظر إلى الوقائع المتتالية باعتبارها جزراً منفصلة. فتكتيكات التخويف، والإقصاء الممنهج، والتحريض المستمر، والشيطنة المتواصلة، والتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة شخصية، لم تكن أبداً جزراً معزولة. لقد كانت جميعها تصب في نهر واحد، وتشير إلى اتجاه واحد، وتخرج من منبع آسن واحد. وكلما مرّ الوقت، صار هذا المنبع أكثر وضوحاً وفُجاءة. فبدلاً من أن تتسع مساحة الطمأنينة في النفوس، اتسعت مساحة القلق والخوف. وبدلاً من أن تتراجع الانقسامات وتندمل الجراح، عادت إلى الظهور بأسماء جديدة وأوجه قبيحة. وبدلاً من أن يشعر السوريون بأنهم يدخلون إلى فضاء وطني أرحب يتسع للجميع، بدأ كثيرون يشعرون أن المجال العام يضيق من حولهم، ويخنق أنفاسهم. كل ذلك كان يحدث بينما تستمر اللغة الرسمية في ترديد شعارات جوفاء، تتحدث عن شيء آخر تماماً.
اقرأ أيضاً:
هكذا، وهنا بالضبط، بدأ الوخَم بالظهور. ليس بوصفه اتهاماً جاهزاً، بل بوصفه إحساساً عاماً يغزو الوعي الجمعي، بأن ثمة شيئاً لا يستقيم أبداً. الفجوة تتسع بين الصورة المزيفة والواقع المرير. الكلمات لم تعد قادرة على إخفاء ما تراه العيون بوضوح. الناس لا تُحكم بالكلمات وحدها؛ وحياتها لا تُبنى بالصور البراقة، ولا تستقر بالشعارات الرنانة، بل بالطريقة التي يُعاملون بها، وبمقدار ما يشعرون بالأمان والثقة فيمن يحكمهم.
ومع كل أزمة جديدة، أو سقطة مدوية، أو زلة فاضحة، كان جزء إضافي من معدن هذه السلطة الفاسد يخرج إلى السطح. وكأن ما كان مختبئاً خلف الأقنعة لم يعد قادراً على البقاء مختبئاً. فطبيعة المعدن، مهما تأخرت، تبحث دائماً عن طريقها إلى الظهور. وما يُخفى بالقوة يعود غالباً في لحظة الاختبار الحقيقية. وما يُغطّى بالخطاب المعسول تكشفه الممارسة العملية القاسية. ولهذا لم يعد السؤال: ماذا تقول سلطة الجولاني عن نفسها؟ وماذا يسرده المطبلون والمزمرون في بلاطها؟ بل السؤال الحقيقي هو: ماذا تقول أفعالها عنها؟
وهنا بالتحديد بدأ الانكشاف الكبير، والتعري الفاضح. فالقضية لم تعد قضية سردية سقطت، بل قضية معدن خبيث ظهر على حقيقته. ولم تعد المسألة ما إذا كان القناع قد تمزق، بل ما الذي خرج من خلفه من قبح وفساد. وهذا ما تدلنا عليه الوقائع المتراكمة وتُشير إليه بأصبع الاتهام. فبعض الوجوه لا تُعرف من أول نظرة؛ لكنها تنكشف كاملة عندما تمتلك القوة المطلقة؛ وخاصة عندما تكون هذه القوة غاشمة، وحاملها رخيص، لا يملك من الكرامة شيئاً.